احتفاء بإرث بابل!

المقاله تحت باب  في السياسة
في 
19/11/2008 06:00 AM
GMT



احتفل المتحف البريطاني، مؤخراً، بإرث بابل عبر استضافته للمكنونات العراقية القديمة بمتحف برلين. كانت أبرز ما في المعروضات بوابة عشتار الأصلية، ولُقى أُخر. وعلى الرغم من الزمن السحيق ألوان أحجار البوابة مازالت زاهية، فمن أية مادة حضرها الفنان البابلي، وكيف شكلها هذه التشكيلة العجيبة، ليعطيها قوة البقاء عبر الدهور الدهيرة.
في ما يخص العبث بالإرث البابلي أشارت الروايات التاريخية إلى بناء مدينة واسط من قِبل الحجاج (ت 95هـ)، ثم بغداد المدورة (145هـ)، ومن قبل ذلك شُيد طاق كسرى بأحجار قصور بابل، ومن بعد شُيدت بيوت الحليين، حتى تحولت خرائب تلك القصور إلى مقالع للأحجار. كل هذا يدل على الانقطاع بل والاغتراب بين بابل وما عقبها. وما أن اكتشف ما بين تلك الخرائب من فنٍ راقٍ وعلم متقدم حتى سار «على نهر دجلة الكثير من السفن والإكلال المسروقة بالمنحوتات» (مجلة سومر) إلى المتاحف الأوروبية. ومن تلك الآثار ما حمله الألمان من آثار إلى متحف (بيركامون) ببرلين، بعناية فائقة. حملت أحجار البوابة مرقمة على هيئة وجودها في شارع الموكب البابلي الشهير. ومن الغرابة بمكان أن يكون الأصل ببرلين ونسختها ببابل. لكن، بعد سرقة المتحف العراقي وتحطيم محتوياته قال يومها الكثيرون: ليت تلك الآثار تحولت إلى المتاحف الأوروبية كافة.
ما زال ملف الآثار العراقية مفتوحاً، مما استرد من المسروقات وما هو طي الكتمان، والأخطر من هذا النبش الجاري في المناطق الأثرية، والتهريب المستمر، فالأرض مفتوحة والمهربون ازدادوا خبرة في تعيين الأثر والمساومة عليه وطرق حفظه ونقله إلى الخارج. حيث يوجد بالعراق، حتى نهاية السبعينيات، (6555) موقعاً أثرياً، موزعة على ألوية العراق الستة عشر. الموصل 1159، كركوك 755، الناصرية 703، بغداد 560، بعقوبة 473، دهوك 455، أربيل 384، سليمانية 37، الكوت 268، الرمادي 248، الحلة 224، كربلاء 173 (ضمنها النجف والكوفة)، البصرة 96، السماوة 79. سجلت مديرية الآثار العامة هذه المواقع على 136 خارطة (أطلس المواقع الأثرية بالعراق، 1976). فكم أصبح عدد المواقع اليوم، الرسمية وغير الرسمية؟ أرض فرشت فوق ثلاث ثروات: النفط والماء وكنوز الأولين!
بلاشك أن أور وبابل ونينوى والحضر ولكش وسواها لم تكن محصورة بمناجمها الأثارية إنما كانت مدنا في طول الأرض وعرضها، فأين ذهب بناؤها وأين اختفت أحجارها؟ ويأتيك الجواب من الأب أنسانس الكرملي: «تنبيه عام، أجل أن الأبنية نفسها، التي كانت قائمة على أديم الأرض، هدمت منذ عهد عهيد، ليستخرج منها الآجر، فأستخرج منها شيء لا يتصوره العاقل لكثرته، وبنيت به أبنية ليتها لم تبن ولم تكن»(مجلة لغة العرب 1912). وقد حصل أن ذَكَّر أحد الحاضرين، في احتفالية المتحف البريطاني، المعمار محمد مكية بالحملة الشعواء ضده، لاحتجاجه على إشادة دور فوق آثار نينوى، على أنها مجرد أصنام!
أسئلة عديدة تطرح حول تعاقب البناء والهدم في المشهد التاريخي العراقي. حيث المقابلة بين مشهد تصميم البوابة، على تلك الصورة البديعة، ونحت إناء النذر النفيس بيد الغابرين وبين نهبها وتحطيمها بيدي الحاضرين. فعندما أُزيح التراب عن تلك المكنونات تأكد للعالم أن البداية كانت هناك، وما بأيدي المنقبين الغربيين اكتشاف مهد البشرية الحضاري.
تضعك احتفالية المتحف البريطاني الفخمة بالإرث العراقي أمام مفارقة حادة بين ماضي العراق السحيق وحاضره: هل هناك انقطاع تام بين جيل مخترعي الكتابة والعجلة وفناني بوابة عشتار وبين الأجيال اللاحقة حتى الجيل الحاضر؟ وهل أُفرغ العراق من أولئك البشر صناع تلك الحضارة، التي ينحني الغرب لبقاياها؟ وهل أن صلة نسب بين الغابرين والحاضرين، التي نتحدث عنها ونفخر بها، مجرد خُرافة وإدعاء؟
وبهذا المعنى، كم تبدو ديباجة الدستور العراقي (2005) حالمة ومنقطعة عن زمنها وهي ترى التواصل لا الانقطاع بين ما يُحتفل به من أثر، على أنه مهد الحضارة، والأيدي التي كتبت واستفتت بما نصه: «نحنُ أبناء وادي الرافدين موطن الأنبياء ومثوى الأئمة الأطهار ورواد الحضارة، وصناع الكتابة، ومهد الترقيم. على أرضنا سنَّ أولُ قانونٍ وضعه الإنسان، وفي وطننا خُطَّ أعرقُ عهدٍ عادلٍ لسياسة الأوطان».
نعم، كل هذا تشهد به تلك الآثار وتصرخ به الأرض كلما استفزتها تراجعات الأزمنة الفظيعة، لكن ماذا عن العراقي الحاضر وتفاعله مع إرثه الحضاري؟ أرجو ألا تكون مقالة التواصل مجرد ترميم معنوي لما تكسر من النفوس وتراجع من العقول، فالفجوة، كما تبدو، كبيرة ومخيفة بين تلك الحضارة ومعطيات ما تلاها، والأسباب لا تعد ولا تحصى.